عبد الملك الجويني
126
نهاية المطلب في دراية المذهب
وقد تحقق اليأس من الضرب ، وعجزنا عن إيقاع الطلاق في النكاح الثاني . 9060 - وإن صوّرنا في البائنة موتها من غير تجديد نكاح ، فهذا يُغني عن التفريع على عود الحنث ، فنقول : إذا تحقق اليأس من الضرب آخراً ، وعسر الحكم بوقوع الطلاق قبيل موتها ؛ فإنها بائنة ، أو منكوحة نكاحاً جديداً لا يقع فيه الطلاق المعلق في النكاح الأول ؛ فإذا كان كذلك ، فهل نتبين أنها طلقت في النكاح الأول قبيل البينونة ؟ هذا موضع النظر . والوجه ألا نحكم بوقوع الطلاق ؛ فإنا إنما نحكم بوقوع الطلاق عند تعليق الطلاق بالنفي متى تحقق اليأس ، فوقْتُ وقوع الطلاق يتقدم على اليأس بلحظة ، وقد صادفت هذه اللحظة بينونةً ، أو نكاحاً جديداً ، ولو ذهب ذاهب إلى ردّ الطلاق إلى النكاح الأول ليأسٍ بعده ، استرسل هذا الكلام إلى أصل ، لم يصر إليه أحد من الأصحاب ، وهو أن نقول : إذا تحقق اليأس والنكاح واحد ، فنتبيّن عند اليأس وقوع الطلاق من وقت اللفظ . وهذا من دقيق الفقه ، فتأمّلوه ترشدوا . ولم يصر أحد من الأصحاب إلى إسناد الطلاق إلى وقت اللفظ إذا تحقق اليأس ، وهذا محتمل ؛ من جهة أن المذهب الأصح أن المستطيع المستجمع لأسباب الاستمكان إذا لم يحج وقد تمادت سنون في الاستطاعة ، فنحكم بأنه يموت عاصياً ، وفي الأصحاب من يبسط المعصية على أول وقت الاستطاعة ، ومنهم من يحصر التعصية في السنة الأخيرة ، فليتنبه الناظر لما يُنَبّه له . ولم نقل هذا ليكون وجهاً ؛ فإن الأصحاب مجمعون على أن الطلاق لا يستند إلى وقت اللفظ ، والزوج متسلط على الوطء إجماعاً ، وإن كان بيده أن يضرب ويخلّص نفسه من هذا التوقع . 9061 - ونعود بعد ذلك إلى ما كنا فيه ، فنقول : إذا قال لامرأته : " إن لم أطلقك ، فأنت طالق " ، ثم انفسخ النكاح بسببٍ ، وماتت على البينونة ، فقد عسر التطليق بالانفساخ ، ثم اتصلت البينونة بالموت ، فهذا عندنا بمثابة الجنون إذا طرأ ،